الإنسان وربانية مصدر إيمانه وتواجده/الخطيب أحمد مـارسو
الأربعاء, 22 يناير 2014 23:44

altaltتنفرد الشريعة الإسلامية عن كل ما سواها لانبثاقها من الوحي"الرباني" الصادر من الله، فهي ليست نتاج فكر بشري، ولا بيئة معينة، ولا فترة من الزمن خاصة، ولا عوامل أرضية على وجه العموم، إنما هي ذلك الهدى الموهوب للإنسان خالصة من خالق الإنسان، رحمة بالإنسان، ويبقى دور الإنسان: التلقي والاستجابة والتكيف والتطبيق في واقع الحياة، فتتطور البشرية في إطارربانية الشريعة، وترتقي في إدراكها تعلماً وتعليماً واستنباطاً وتتنزيلاً وفي الاستجابة لها عملاً وتحاكماً وتعبداً.

وتظل الإنسانية تتطور وتترقى، وتنمو وتتقدم، بقيادة الشريعة وضمن إطارها على الدوام، فمصدر الشريعة، هو نفسه المصدر الذي خلق الإنسان، هو الخالق المدبر، الذي يعلم طبيعة هذا الإنسان، وحاجات حياته المتطورة على مدى الزمان، وهو الذي جعل في هذا الدين "الإسلام" من الخصائص ما يلبي هذه الحاجات المتطورة في داخل هذا الإطار{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر : 9] (قال رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ)[موطأ مالك] {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل : 89].

وما من نبي إلا كان من البشر، وكان دوره هو أن يكلف نفسه ويحرض المؤمنين بالعمل بما جاءت به الشريعة {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران : 79] فما من نبي إلا وهو على يقين أنه عبد، وأن الله وحده هو الرب، الذي يتجه إليه العباد بعبوديتهم وبعبادتهم، فما يمكن أن يدعي لنفسه صفة الألوهية التي تقتضي من الناس العبودية، فلن يقول نبي للناس: «كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ» .. ولكن قوله لهم: «كُونُوا رَبَّانِيِّينَ» .. منتسبين إلى الرب، عباداً له وعبيداً، توجهوا إليه وحده بالعبادة، وخذوا عنه وحده منهج حياتكم، حتى تخلصوا له وحده فتكونوا «رَبَّانِيِّينَ» بحكم علمكم للكتاب وتدارسكم له، ف (اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم) الَّذِي هُوَ خَالِقُكُمْ وَمُرَبِّيكُمْ وَمُدَبِّرُ أُمُورِكُمْ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي لَهُ وَحْدَهُ الْحَقُّ فِي شَرْعِ الدِّينِ لَكُمْ وَفَرْضِ الْعِبَادَاتِ عَلَيْكُمْ، وَالتَّحْلِيلِ لِمَا يَنْفَعُكُمْ، وَالتَّحْرِيمِ لِمَا يَضُرُّكُمْ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَصْلَحَتِكُمْ مِنْكُمْ (وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ) تَتَّخِذُونَهُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَلَا مِنَ الشَّيَاطِينِ الَّذِينَ يُوَسْوِسُونَ لَكُمْ، بِمَا يُزَيِّنُ لَكُمْ ضَلَالَ تَقَالِيدِكُمْ وَالِابْتِدَاعَ فِي دِينِكُمْ، فَتُوَلُّونَهُمْ أُمُورَكُمْ، وَتُطِيعُونَهُمْ فِيمَا يَرُومُونَ مِنْكُمْ، مِنْ وَضْعِ أَحْكَامٍ، وَحَلَالٍ وَحَرَامٍ، زَاعِمِينَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكُمْ تَقْلِيدُهُمْ لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ، أَوْ لِلِاقْتِدَاءِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُكُمْ.

وتتجلى أهمية ربانية الشريعة فيما يلي :

  في المصدر: لأن مصدرها الله سبحانه المتصف بكل كمال الذي{يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الملك : 14] القائل وقوله الحق{ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً} [النساء : 87]{ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً} [النساء : 122] {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِصِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} [البقرة : 138] فالتصديق بمصادر الشريعة من قرآن وسنة تصديقاُ يشمل حقِّيتها في ذاتها كما يشمل صلاحيتها للإنسان وخيريتها المطلقة لحياته، فهي ذلك الهدى الموهوب للإنسان خالصة من خالق الإنسان، رحمة بالإنسان.

  في البقاء والاستمرارية: فهي خالدة دائمة صالحة محفوظة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تحقق العدل المطلق للبشرية مشتملة على مصالح الأنام في العاجل والأجل ولو لم تظهرلنا أحيانا، رحمة للعالمين، بصيرة وهداية للطريق المستقيم، مستعيبة لجميع قضايا الإنسان والكون غيباً وشهادة ما نعلم وما لم نعلم {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر : 9] {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة : 32]{ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف : 8] «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ» {صحيح مسلم] {وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [يونس : 82] {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة : 33] {لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} [الأنفال : 8].

 في الجوهر والمحتوى: فهي مبنية على مراعاة الفطرة، جارية على الوسط الأعدل، تراعي مصالح العباد، تعمل على إخراج المكلف من داعية هواه، الجزاء فيها دنيوي وأخروي {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} [النساء : 124] {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل : 97] {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى : 40]{هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن : 60] فأحكام الدنيا على الظواهر والسرائرُ تَبَعٌ لها، وأحكام الآخرة على السرائر والظواهرُ تَبَعٌ لها، كما يقول ابن القيم رحمه الله.

  في الغاية والوجهة: فالإسلام يجعل غايته الأخيرة وهدفه البعيد، هو حسن الصلة بالله تبارك وتعالى، والحصول على مرضاته، فهذه هي غاية الإسلام، وبالتالي هي غاية الإنسان، ووجهة الإنسان، ومنتهى أمله، وسعيه، وكدحه في الحياة: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق : 6] {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى [النجم : 42] ولا جدال في أن للإسلام غايات وأهدافا أخرى إنسانية واجتماعية، ولكن عند التأمل، نجد هذه الأهداف في الحقيقة خادمة للهدف الأكبر، وهو مرضاة الله تعالى، وحسن مثوبته، فهذا هو هدف الأهداف، أو غاية الغايات.. ففي الإسلام تشريع ومعاملات، ولكن المقصود منها هو: تنظيم حياة الناس حتى يستريحوا، ويبرأوا من الصراع على المتاع الأدنى، ويفرغوا لمعرفة الله تعالى وعبادته، والسعي في مراضيه، وفي الإسلام جهاد وقتال للأعداء، ولكن الغاية هي: {حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة : 193] وفي الإسلام حث على المشي في مناكب الأرض، والأكل من طيباتها، ولكن الغاية هي القيام بشكر نعمة الله وأداء حقه {كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ}[سبأ 15] وكل ما في الإسلام من تشريع وتوجيه وإرشاد إنما يقصد إلى إعداد الإنسان ليكون عبدً خالصا لله، لا لأحد سواه.

ومما لا ريب فيه أن لهذه الربانية فوائد وأثارا جمة في النفس والحياة، يجني الإنسان ثمارها في هذه الدنيا، فضلا عن ثمراتها في الآخرة، وهي ثمار في غاية الأهمية ومنها:

1-  أن يهتدي الإنسان إلى فطرته التي فطره الله عليها، والتي تطلب الإيمان بالله تعالى، ولا يعوضها شيء غيره، يقول تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم : 30] واهتداء الإنسان إلى فطرته ليس كسباً رخيصاً، بل هو كسب كبير، وغنى عظيم، فيه يعيش المرء في سلام ووئام مع نفسه، ومع فطرة الوجود الكبير من حوله، فالكون كله رباني الوجهة، {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} [الإسراء : 44] والحقيقة أن في فطرة الإنسان فراغاً لا يملؤه علم، ولا ثقافة ولا فلسفة، إنما يملؤه الإيمان بالله جل وعلاً، وستظل الفطرة الإنسانية تحس بالتوتر، والجوع والظمأ، حتى تجد الله، وتؤمن به، وتتوجه إليه.

2- أن تسلم النفس البشرية من التمزق والصراع الداخلي، والتوزع والانقسام بين مختلف الغايات، وشتى الاتجاهات، فلقد اختصر الإسلام غايات الإنسان في غاية واحدة هي إرضاء الله تعالى، وركز همومه في هم واحد هو العمل على ما يرضيه سبحانه، ولا يريح النفس الإنسانية شيء كما يريحها وحدة غايتها، ووجهتها في الحياة، فتعرف من أين تبدأ، وإلى أين تسير، ومع من تسير، ولا يشقي الإنسان شيء مثل تناقض غاياته، وتباين اتجاهاته، وتضارب نزعاته، فهو حينا يشرق، وحينا يغرب، وتارة يتجه إلى اليمين، وطورا يتجه إلى اليسار، ومرة يرضى زيدا فيغضب عمر، وأخرى يرضي عمرا فيغضب زيد، وهو في كلا الحالين حائر بين رضى هذا وغضب ذاك.

3-      أن يتحررالإنسان بالربانيةـ حين تستقر في أعماق النفس ـ من العبودية لأنانيته، وشهوات نفسه، ولذات حسه، ومن الخضوع والاستسلام لمطالبه المادية، ورغباته الشخصية، وذلك أن الإنسان "الرباني" يقفه إيمانه بالله وباليوم الآخر موقف الموازنة بين رغبات نفسه، ومتطلبات دينه، بين ما تدفعه إليه شهواته، وما يأمره به ربه، بين ما يمليه عليه الواجب، بين متعة اليوم، وحساب الغد، أو بين لذة عاجلة في دنياه، وحساب عسير ينتظره في أخراه، هذه الموازنة والمساءلة جديرة أن تخلع عنه نير العبودية للهوى والشهوات، وأن ترتفع به إلى أفق أعلى من الأنانية والبهيمية، أفق الإنسانية المتحررة التي تتصرف بوعيها وإرادتها.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله

 

التوحيد والإصلاح

الإنسان وربانية مصدر إيمانه وتواجده/الخطيب أحمد مـارسو

السراج TV